هل سمعت من قبل عن شخص يفضل شيئاً فوق معدته، أو حياته.. لم أسمع عن هذا كثيراً، لكنني في الآونة الأخيرة وجدت أن المصريين ضربوا المثل بقوة في زهدهم الطعام والشهوات الزائلة في سبيل الغايات العظمى.. وعجبي!
فمنذ بضعة أشهر سمعنا أن الإنترنت فائق السرعة DSL سوف تنخفض تكلفته بشكل كبير في مقابل أن يتم تحديد عدد معين من الجيجا بايت ليحملها المستخدم طوال الشهر وقدر عدد هذه الجيجا بايت بـ2 جيجا طيلة الشهر.. بالطبع شكل القرار صدمة للناس، وأنا أولهم.. معنى هذا أن أعود لخمس سنوات سابقة حين كنا نستخدم خطوط التليفون في الدخول على الشبكة.. معنى هذا هو توقف عملنا طيلة الشهر.. بعبارة مختصرة قطع عيش وأرزاق.
حينها وجدنا انتقادات شرسة من الجميع للوزارة، الجميع يسب.. حتى والدي الذي لا يزال حديث العهد بهذا الجهاز الشيطاني المدعو "الحاسب الآلي" وشبكته العنكبوتية أبدى امتعاضاً وقلقاً.. كل الناس بدأت عيونهم تزيغ.. الكل يتلفت بحثا عن مهرب.. الغريب أن أحداً فيهم لم يفكر في سخرية ما يفعلونه.
وبدأت حملات المقاطعة.. نعم دائماً هناك حملة مقاطعة.. لقد تذكر أحدهم أن حملة المقاطعة التي قامت بها بعض النقابات منذ ثلاثة أعوام ضد شبكات المحمول أتت أكلها قليلاً، بمجرد التهديد.. فقامت المقاطعات مثل أي شعب محترم.. استطعنا أن نوحد كلمة واحدة هي أن الجميع سيلغي اشتراكه وأن الكل سيهدد بعدم الدفع لو حدث هذا.. ولأول مرة تتكاتف مصالح الشعب مع مصالح الشركات.. فكل الشركات المزودة للإنترنت أوضحت أنها مستاءة مما تنويه الحكومة.. وأنها ليس في يدها شيء.. فقط الانتظار.. لكن الحملة لم تتوقف، فقامت الوزارة عندئذ بأمر غريب على نظامنا.
فعلى موقع الوزارة الرسمي وضعت الوزارة تصويتاً حول رأي الناس عن المستفيد من نظام الإنترنت المحدد..عندها كان التصويت فضيحة لهم.. كانت النتائج كلها في غير صالح قرارهم.
ومع مرور الأيام شعرت بأنني سأبدأ في سماع مقاطعة الإنترنت حق على كل مسلم ومسلمة، أو قاطع جيجا بايتاً تنقذ طفلاً، أو حتى مقاطعتك لإنترنت أخيك تقيك شر العدو.. والأخير توقعت أن أسمعه من الخالة "زنوبة" اللي على أول الشارع عندنا.. الخلاصة أن الموضوع وصل لمستوى غريب لم أشهده منذ سنوات.. بعبارة أخرى درسناها في المدارس.. كان هناك إجماع للرأي العام لأول مرة منذ زمن.
وهكذا لم تجد الحكومة بدا من أن تتراجع، أو أن توضح أن الناس فهموا الأمر خطأ وأنه لا إجبار للناس على النظم الجديدة والأمر اختياري وأن الحرية القادمة ستفتح المجال للمنافسة.
عندها نظر الناس لبعضهم البعض، ودوت صرخات النصر.. لقد انتصر الناس في معركة واحدة أخيراً.. ربما لم تكن معركة وربما كان سوء تفاهم لا أكثر..
لقد وقف الناس وقفة رجالة فعلاً أمام شركات المحمول والإنترنت.. فقط حين قرروا مجرد قرار أنهم سيفكرون مجرد تفكير في أن يرفعوا الأسعار!.. رغم أن الإنترنت والمحمول ليسا من الأمور الأساسية، إلا أن الجميع تكاتف، مثلما تكاتف الجميع أمام "فضة المعداوي" في مسلسل (الراية البيضا).. لكن وفي نفس الوقت ومن تحت لتحت زادت أسعار الزيت والسكر والفول والكشاكيل والحلبة الحصى.. كل شيء ازداد بشكل يومي، كل يوم يزداد جنيها حتى إن البيض بريء المظهر زاد سعره خمسة جنيهات في بضعة أيام.. رغم أنك يا عزيزي مستخدم الإنترنت ستحتاج إلى 4 كراتين في الشهر لكي تأكلها، في حين تحتاج لأن تدفع فاتورة الإنترنت مرة واحدة فقط، وتكون نصف ما تدفعه للبيض فقط لو أنك مشترك بوصلة مع أحدهم.
يعني بنقف وقفة رجالة في الحاجات غير الضرورية فقط، أتذكر الصراخ الذي عم الناس والاستياء الشديد من الداعية "عمرو خالد" حينما ظهر على إحدى القنوات موضحاً أن سرقتها حرام وأن من يفعل هذا آثم، عندها هاجمه الجميع، رغم أن كلامه صحيح، لكن الهجوم كان على أساس أنه سيحرمهم من الرفاهية، من ضرورة غريبة من ضرورات الحياة.. لكن حين يتطرق الأمر إلى الطعام.. يا سيدي ربنا بيرزق..
على أية حال أتمنى أن ندرك أن المقاطعات من هذا النوع تثبت كفاءة كبيرة قبل أن نجد أنفسنا في مجاعة من مجاعات المماليك، حينما كان الناس يأكلون جثث المتوفين!.. وهي حقيقة تاريخية لا مزاح فيها.
ومن الطريف أنه رغم اهتمام الناس بوسائل الاتصالات بشكل هيستيري حتى إنه لو قطعت حرارة الهاتف يوماً واحداً تجد وجه المرء مسوداً وهو كظيم.. رغم هذا ورغم ثورة الاتصالات أصبحت علاقات البشر قمة في التفاهة والبرودة والسطحية.. من يمنحني حمامة زاجلة الآن!
اشكركم علي متابعة الموضوع